من ملفات الزلزال // بقلم المهندسة مهى سروجي

⚘من ملفات الزلزال⚘

********************

قصة حدثت صبيحة اليوم الذي وقع فيه قبل وقت الفجر الزلزال الذي ضرب سوريا و تركيا هي قصة واقعية سأعرضها عليكم و لكم أن تحكموا :

إنسانة بسيطة قلبها أنقى من الثلج الأبيض الذي لا تشوبه شائبة تشاء أقدارها أن تتعرف على شخص من خلال عمله كان سمساراً يبيع البيوت لأصحابها مقابل عمولة يقدمونها له ببداية تعارفها عليه شرحت له أوضاعها بأمانة و صدق أمام زوجته و طلبت أن يعاملها كما يعامل أخته رحب بها و فعلاً قدم لها المساعدة هو و زوجته و حتى أولاده  مع أن زوجته كانت لا تتقبل وجودها و كانت تشعر بهذا لأنها من النوع اللئيم و الحقود و الغيور بطريقة حيوانية على حسب ما قاله هو عن زوجته بينما هو من النوع المستهتر الذي يأخذ الأمور من ناحية الضحك و الاستهزاء على أساس أنه خفيف الظل رغم أنه يحمل شهادة جامعية عالية و عمل في سلك التدريس و على حسب روايته أنه كان شديد الحزم بلا طول سيرة جاء يوم الإثنين و كانت الكهرباء عندها مقطوعة لفترة أكثر من يومين بسبب تلاعب أهل بنايتها بعدادات الكهرباء و كانت تقول له هذا و هو على دراية بمثل هذه الأمور و مع ذلك لم يقدم لها أي مساعدة و بعد عصر هذا اليوم اتصل بها على الخط الأرضي ليقول لها أن تأتي إلى مكتبه كان ملحقا ببيته في نفس شارعها لتشحن هاتفها النقال فرفضت لأنها لا تريد أن تثقل عليهم و بقي هاتفها مغلقاً لمدة يومين ، حل الليل و جاءت ساعة الزلزال استيقظت المسكينة من نومها مذعورة علمت أنه زلزال فراحت تدعو و تبتهل إلى ربها هدأت ثائرة الزلزال ثم عادت و هي لا زالت تدعو و تبتهل و أيضا توقف نشاط الزلزال ثم عاد إلى أن توقف بالساعة السادسة قامت توضأت و صلت الفجر و إذ بالهاتف الأرضي يرن كان هو المتحدث سألها عن حالها و هل شعرت بالزلزال و حمد الله على سلامتها و هي أيضا حمدت الله على سلامتهم بعد قليل اتصل بها قائلا لها أن تجهز نفسها و تخرج من البيت ليمر عليها بسيارته مع عائلته لأنهم يقولون عن احتمال هزات متتابعة فعلا جهزت نفسها و أخذت أوراقها الثبوتية اللازمة و ركبت معهم بالسيارة دار بهم ليروا حجم الخسائر و الأبنية التي انهارت اللهم عافنا و السيارات التي تأذت بفعل سقوط كتل بيتونية أو أعمدة حديدية بعدها قال لهم : اليوم علينا أن نبقى طول الليل بالسيارة لأنه كانت تصلهم أخبار على هواتفهم النقالة بحدوث هزات في ساعات متفرقة و فعلا حدثت هزة عند العصر وكانت في بيتها فخافت و اتصلت  به بعد أن فتحت هاتفها الذي تجمع فيه القليل من الشحن و سألته أين هم فقال لها أنهم ذهبوا لشراء حاجيات لهم و عادوا إلى منطقة خالية من السكن و العمران قريبا من شارعهم و طلب منها أن تأتي إليهم و فعلت يومها كانت الأمطار لا تهدأ و البرد شديد جدا و السماء متلبدة بالغيوم السوداء لما وصلت ركبت معهم ، كان يرجع معهم إلى البيت سريعا لإحضار شيء أو لقضاء حاجة أثناء عودتهم أوقفهم أخ له ليقول لهم : أن لجنة السلامة جاءت و تفحصت بنايتها ليجدوا أنها متصدعة و خطيرة و على سكانها ترميمها بأقصى سرعة خافت لهول ما سمعت ، ثم ظلوا بالسيارة حتى الساعة الثامنة صباح اليوم التالي و كانوا يشعرون باهتزازات بين الفينة و الفينة صارت تسألهم أين ستذهب و هو يطمئنها ألا تفكر كثيرا بالأمر حتى نسأل مختار الحي لنتأكد من الخبر و اتصل به فأكد له الخبر قال لها : تأتين إلى بيتنا فهي ليس عندها أقارب معظم أفراد عائلتها خارج حدود سوريا و بعد عودتهم بعد الساعة الثامنة اتصل بأحد سكان بنايتها فأخبره أن الأمر ليس خطيرا و أنه أحضر من رأى موقع الخطر بالمبنى و أنه لا يوجد أي خطر و هم قد عادوا إلى بيتهم فرحت و عادت إلى بيتها لتسمع مجددا نفس الكلام و بضرورة التدعيم السريع فاتصلت به لتطلب منه أن تجلس بمكتبه هذا اليوم تحسبا لأي طارئ حتى تتيقن من سلامة المبنى و أنها في غاية الحرج و تعلم أن هذا تصرف خاطئ إلا أن للضرورة أحكام يقول لها : تعالي بالساعة السادسة لأنهم سيقومون بتشغيل المولدة و بالمرة تشحنين هاتفك  ، لما حضرت رأت وجهه متغيرا  و قال لها : صعب أن تبقي هنا لئلا يتحدث الناس عنك بالسوء دهشت ثم قامت و غادرت المكتب مع أخيه الذي مر معها إلى بنايتها و أصلح لها الكهرباء من مكان العدادات  فأسرعت لتشحن هاتفها و تتصل بأختها في تركيا لتطمئن عنها و إذ يأتيها من أختها أن ابنه الموجود بتركيا راسل أختها كاتبا لها تشهيرا بأختها و أن عليها أن تحترم سنها و تبتعد عن والده و زوجة أبيه و إخوته من أبيه و أن حركاتها مكشوفة و كثرة ترددها إلى مكتبه مفهوم رغم أنه حكى معها من قبل 

أن تقبل بالزواج من أبيه فقد لإغاظة زوجة أبيه و هي لا يمكنها أن تقبل بهذا الزواج لأنها تعلم مقدار عشقه لزوجته رغم كل سلبياتها و بذاءة لسانها و جهلها القوي ، و من ناحية أخرى هي تعرف أنها كبرت بالسن حتى و إن كان هو يكبرها لأن زوجته أصغر منه بكثير 

كان ما كتبه ابنه لأختها بشعا جدا و هي لا تدري من نقل الصورة مشوهة لإبنه شعرت أنهم مجردين من الإنسانية إذ كيف ترضى ضمائرهم أن تبقى وحيدة بالشارع تحت الأمطار الغزيرة و أكثر أصحاب السيارات قد ملؤوا سيارتهم بعائلاتهم و أصدقائهم و جيرانهم إنها حالة إنسانية في ظل كارثة حلت بالجميع هي الآن قد تملكها الحزن و الأسف الشديد لأنها يوما لم تفكر بأن تغدر بزوجته و أنها تعلم أنها وصلت لسن لا يجب عليها أن تفكر في زواج و لأنها تخشى من غدر الناس بها في مثل هذه الأوقات التي تمر على البلد كله و هي تعامله بكل أدب و احترام حتى لو اضطرت أن تلجأ له لتصليح غرض أو لشراء حاجة يصعب الوصول إليها فهي تطلب بكل أدب إذا كان لديه الوقت و إذا كان مقررا له أن يذهب إلى نفس المكان حتى لا ترهقه و لا تجعله يحرق البنزين بلا فائدة و كان ببداية تعارفهما كلما طلب منها مساعدة سارعت و لبت طلبه و كانت تعامل زوجته كأختها الصغيرة و دائما تدعو لهما ألا يفترقا و لا يدخل بينهما عزول و أن يفرحوا بأولادهم ، 

غصت الدمعة في حلقها و ما عادت تدري ماذا تفعل كانت بالسابق تشكر الله كثيرا أن هيأ لها عائلة تقف إلى جانبها فهي طيبة القلب جدا تخشى من ربها و من عدم رضاه عنها لذلك تعامل الناس بالحسن و الطيب و تعتمد على من خلقها فهي على يقين أنه خير من تلوذ به و أنه لن ينساها إنها تقية نقية بارة بوالديها و بأختها الكبيرة و تحب أخوتها حتى لو ظلموها و تسعى جاهدة لتفرح من حولها ، بكت و دعت ربها أن يؤنسها في وحدتها فليس لها سواه و ختمت دعاءها : 

أن الله من ورائهم محيط و حسبي الله و نعم الوكيل .

من ملفات الزلزال 

#مهى سروجي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة كورونا // بقلم المهندسة مهى سروجي

توطئة // بقلم المهندسة مهى سروجي

لحن حزين // بقلم المهندسة مهى سروجي