الصدق و الأمانة // بقلم المهندسة مهى سروجي
⚘الصدق و الأمانة ⚘
*********************
تخرجت من كلية الهندسة الميكانيكية و عملت بجد حتى تمكنت من فتح معمل صغير يختص بالثلاجات تركيباً و صيانة و أنشأت بقربه مسكناً لي و لعائلتي و كسلوك اتخذته صفة مميزة لي أني عندما اتعاقد مع شركة أجنبية و يحضر مندوبها لتحرير صك التعاقد و توقيعه أقوم بدعوته مع الوفد المرافق إلى إما غداء عمل أو عشاء عمل و اتفقت مع صاحب ارقى المطاعم اذا حضرت مع الوفد و طبعاً اكون قد حولت لهم مبلغاً يغطي تكاليف هذه الوليمة و يزيد عليه مبلغاً يسمى البقشيش للنادل و غيره و لكن شريطة ان يغلف ما يزيد من طعام طبعاً مما لم يمسه أحد منا و أما ما يتبقى في صحن أحدهم فهذا يُستبعد و يزيد عليه كمية تكفي لإطعام شخصين و يضع اللفافة في سيارتي ، لتكون غداء أو عشاء لشخص فقير أعرفه إنسان طيب عزيز النفس وظفته عندي كي يعد لي و لضيوفي القهوة او أي مشروب آخر كالشاي او الكاكاو مساعدة مني لأتمكن من صرف راتب له يساعده على مصروفه و مصروف زوجته إنه قد تجاوز الستين و يعاني ألماً في ظهره يمنعه من حمل أي أحمالٍ مهما كان وزنها و الأسوأ من هذا ان من قام بتربيته و السهر على راحته ابنه الوحيد سافر بحجة إكمال تعليمه و لم يعد و جاءته الأخبار أنه تزوج من امرأة أجنبية لينال من خلال هذا الزواج الجنسية ، كنت أتفاءل بهذا الإجراء و اشعر أني سأوفق فيما سأقدم عليه ناهيك عن أني لا أنساه مطلقاً كنت بالأعياد أشتري له ما يكفيه من طعام و حلويات و أكسوه كسوة العيد حتى إن ذهبت مع أولادي و زوجتي لنستجم مع قضاء اسبوع إما قرب شاطئ البحر أو بأحد المنتجعات الجبلية نصطحبه و زوجته ليقضيا فترة الاستجمام معنا كان ودوداً ضحوك الوجه و زوجته كانت تحب أطفالي تحكي لهم الحكايا كانت زوجتي تعتمد عليها اذا كان لدينا سهرة فتأتي لتبقى مع الأولاد فهي أمينة ، نظيفة ، مهذبة .
و استمر الحال هكذا و الله يزيدني من نعيمه و كلما ازددت ثراء ازددت حمداً و تقرباً إلى ربي .
و جاء وقت الوداع ساءت حالة هذا الرجل الطيب هو و زوجته و كأنهما روحٌ واحدةٌ انقسمت في جسدين حتى المرض تقاسماه معاً حضرت لأنقلهما إلى المشفى و قد أحسست بانقباض شديد في صدري عندما اتصل جار لهما ليخبرني أنهما يودعان أنفاسهما الأخيرة لما وصلت أمسك بيدي يريد تقبيلها فنزعتها من يده و جلست قرب رأسه أقرأ ما تيسر من آيات القرآن الكريم تهدئة لروحيهما و هما يرقدان كل في سريره يلتقطان أنفاسهما الأخيرة عندما تحامل على نفسه و قال لي :
يا بني أريد أن تعاهدني أن تبقى تذكرني و لتكن هذه الذكرى بصدقة جارية تهبها لي و لهذه المسكينة لتعتبرنا كوالديك رحمهما الله و ما إن نطق بالشهادتين حتى أسلم الروح إلى بارئها نظرت إلى زوجته و اذ بها أيضاً فارقت الحياة عاشا معاً و ماتا معاً .
بعد مرور ما يقارب عاماً كنت جالساً مع زوجتي و الأولاد كل في غرفته يدرسون قلت لها ما قاله و إذ بها تخبرني خبراً غريباً : قد عاد ولده بعد أن تم ترحيله من قِبَلِ الإمرأة التي تزوجها بعد أن أخذت منه ما جمعه من مال أخبرت عنه السلطات ليرحلوه إلى بلده فلا طال جنسية و لا رزقه الله ولداً و حتى ماله سلبته إياه و الآن لا مأوى و لا عمل له إنه يمشي بالطرقات يمد يده للناس و قد ازدرت حالته كثيراً .
هنا تذكرتُ الرجل الطيب و أن أتصدق عنه و عن زوجته فقمت مع زوجتي و رحنا نفتش عنه حتى عثرنا عليه يقف عند أحد أبواب المساجد في طلب مساعدة من المارين أحضرته و أعطيته مفتاح المنزل الذي كان يسكنه والديه إنه مؤلف من غرفة و صالة صغيرة اشتريته بعد أن تهدم مسكنه القديم الذي كان في منطقة السكن العشوائي قلت له : سأدعك تسكن هنا و لكن شريطة أن تجد عملاً غير تسولك و تسكعك بالشوارع
فأطرق وجهه و قال : جزاك الله خيراً و زادك من نعيمه سأفعل و أطلب من الله أن يغفر لي عن كل ما اقترفته يداي . و مرت الأيام و كنت أسأله عن أخباره يقول : أنا أعمل و كل شيء تمام
و مرت سنة كاملة و إذ يأتيني استدعاءٌ من أحد المخافر رحت لأتفاجأ أنهم أمسكوه و هو يسرق بعد أن روع المنطقة بعدد من السطو المسلح و آخرها قتل صاحب البيت المسروق و تم إلقاء القبض عليه و هو يبيع بعض قطع الحلي المسروقة و تتبعناه فرأيناه يسكن في منزل لك و الآن نريد معرفة صلتك به
قلت لهم : لا صلة لي به سوى أن أباه و أمه كانا يعملان عندي قبل وفاتهما عندما سافر و تركهما و أبوه أوصاني أن أتصدق عنه و عن زوجته فلما عاد قلت أسكنه بدون أجر إكراماً لأبيه الطيب .
أعطاني مفتاح البيت و قال لي : طبعاً قمنا بتفتيشه و جلب كل المسروقات و لما سألناه عن البيت و أثاثه قال أنه لك و الآن بإمكانك أن تذهب لا شأن لنا بك أما هو فسيلقى جزاءه العادل
طلبت من رئيس المخفر أن أسأله سؤالاً واحداً أحضروه سألته : لماذا أنت تتجه إلى كل عمل إجرامي و أبواك كانا من أطيب الناس كانت تربيتهما حسنة قال : لما كنت صغيراً تعلمت الكذب كانا يصدقاني و أنا أسبك الكذب بإتقان الخطأ الذي وقعا فيه عدم التحقق من كلامي و هذا هو عيبي الوحيد و لما سألتني هل وجدت عملاً كذبت و قلت نعم و أيضاً لم تتأكدَ من صدقي فأنا لا أتقن أي مهنة سوى فتح الأبواب فصرت أراقب بعض الأثرياء ثم أخطط لسرقتهم و أنا الآن في أشد الندامة و الحزن لعل الله يسامحني و يغفر لي.
و تركته يستغفر ربه و عدت ادراجي و أنا أقول في نفسي : حقاً كانا صالحين رغم ان ولدهما إنسان عاق هيأ لهما الله من ساندهما و كان لهما أقوى من إبنهما الحقيقي و ترحمت عليهما و حمدت الله أني ربيت اولادي على الصدق و الأمانة .
#مهى سروجي
تعليقات
إرسال تعليق